الشيخ يد الله الدوزدوزاني التبريزي

155

دروس في تفسير القرآن (حول المعاد)

تفسير : « الشيطان » ولنا أن نقول : انّ الشياطين جمعاً لا يراد به إبليس قطعاً ، فلا بدّ من أن يراد : هو وأعوانه ، أو يراد غيره من الجنّ والانس . وكقوله تعالى : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ « 1 » ؛ لأنّ الظاهر أنّه ليس المراد منه إبليس ، وإن كان يظهر من صاحب المجمع أوّلًا تفسيره به ، ثمّ قال : « وقيل : أراد به شياطين الإنس ، نحو علماء السوء ورؤساء الضلالة يصدّونهم عن سبيل الله فيتّبعونهم » « 2 » . فعلم من تمام ذلك أنّ لفظ « الشيطان » لا ينحصر استعماله في القرآن في إبليس ، بل ربّما يستعمل في غيره من الجنّ والانس الشرورين وغيرهما ، ولعلّ ذلك هو المراد من قوله تعالى : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ « 3 » ، حيث إنّ المراد من رجز الشيطان هو الأوساخ الحاصلة في البرّ والصحراء ، وعليه تكون الإضافة في قوله : « رجز الشيطان » من إضافة الموصوف إلى الصفة ، فانّ المعنى الحقيقي في الرجز هو المؤذي ، ويشهد لذلك : أنّ الماء إنّما يطهّر ويزيل الأوساخ الحاصلة في الأجسام من الغبار والتعفّن . وإن شئت قل : انّ الماء يزيل الجراثيم الحاصلة من الحرّ والازدحام ، ويؤيّد ذلك : ما ورد : « أنّ المسلمين قد سبقهم الكفّار إلى الماء ، فنزلوا على كثيب رمل وأصبحوا محدثين مجنبين ، وأصابهم الظمأ فوسوس إليهم الشيطان فقال : انّ عدوّكم قد سبقكم إلى الماء ، وأنتم تصلّون مع الجنابة والحدث ، وتسوخ أقدامكم في الرمل ، فمطرهم الله حتّى اغتسلوا به من الجنابة ، وتطهّروا به من الحدث » « 4 » .

--> ( 1 ) . الزخرف : 36 . ( 2 ) . مجمع البيان : 9 - 10 : 74 ، س 2 . ( 3 ) . الأنفال : 11 . ( 4 ) . مجمع البيان : 3 - 4 : 808 .